القلق: الوباء الصامت
يتناول المقال تحول القلق من استجابة طبيعية نافعة تحمي الإنسان من الخطر إلى حالة مزمنة تغذيها ضغوط الحياة الحديثة، والمقارنات الاجتماعية، والتعرض المستمر للمحتوى الرقمي. كما يوضح الفرق بين القلق الطبيعي، واضطراب القلق العام، والتهويل بوصفه نمطا ذهنيا يدفع الإنسان إلى توقع أسوأ الاحتمالات، مع تمهيد لقراءة انتشار اضطرابات القلق في السعودية والعالم وسبل التعامل معها.
مدخل
غالبا ما كان يقلق على أشياء يستطيع لمسها: المطر إن تأخر، المحصول إن أصابه آفة، الابن إن طال غيابه في سفر بعيد. كان قلقه محددا له بداية ونهاية، وغالبا ما يكون له سبب يمكن زواله.
اليوم، حفيد هذا الجد يحمل هاتفا في جيبه يعرض له، في كل دقيقة، حياة افتراضية لا يعيشها، وصفات جسدية لا يمتلكها، وأموالا لا يحلم بها، ومستقبلا لا يستطيع التنبؤ به. يقلق هذا الحفيد على عدد المعجبين بصورته، وعلى ترتيبه بين زملائه، وعلى مظهره في عين جمهور لا يعرفه.
القلق هو نفسه — استجابة نفسية وذهنية وبيولوجية قديمة تتفعل في الدماغ منذ آلاف السنين لحماية الإنسان من الخطر. لكن وقوده تغير، ومصدره تبدل، وحول ما كان وسيلة للبقاء إلى ما يشبه الحالة الدائمة.
في هذا المقال، نقرأ هذا التحول من زاويتين: أرقام تقول إن اضطرابات القلق من الأكثر شيوعا في المملكة العربية السعودية وفي العالم اليوم، وفرضية تحاول أن تفسر سبب ذلك. وفي الختام، نسأل: ماذا نفعل؟
أولا: ما هو القلق؟ ومتى يصبح مرضا؟
قبل الأرقام، يستحق المفهوم نفسه شيئا من التوضيح. القلق ليس عيبا، وليس ضعفا، وليس فشلا أخلاقيا. القلق في أصله نعمة بيولوجية — استجابة "الكر والفر" (fight-or-flight) التي تطورت في الإنسان لإنقاذه من الحيوانات المفترسة، ولاستعداده للمعارك، ولتجنب المخاطر.
الذي يتغير بين الصحة والمرض ليس وجود القلق، بل شدته، ومدته، وتناسبه مع المثير الحقيقي.
نميز سريريا بين ثلاثة مستويات:
القلق الطبيعي (Adaptive Anxiety)
هو شعور عابر بالتوتر قبل امتحان، أو مقابلة، أو حدث مهم. يدفع صاحبه إلى التحضير والاستعداد، وينتهي مع انتهاء المثير. هذا قلق نافع.
اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder – GAD)
هو حالة مزمنة يقلق فيها الإنسان قلقا مفرطا، يصعب التحكم به، على أمور متعددة في حياته اليومية: صحته، عمله، أسرته، ماله، مستقبله.
وفقا لمعايير الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، يشخص الاضطراب حين يستمر القلق ستة أشهر على الأقل، ويصاحبه ثلاثة أعراض أو أكثر، مثل: التوتر العضلي، الإرهاق السريع، صعوبة التركيز، التهيج، اضطراب النوم.
التهويل (Catastrophizing)
هو نمط ذهني مشوه يجعل الدماغ ينحاز تلقائيا نحو أسوأ احتمال، حتى في غياب الأدلة الكافية. الإنسان الذي يعاني منه يقرأ تأخر زوجته دقيقتين على أنه حادث، أو يقرأ رسالة مقتضبة من مديره على أنها مقدمة للفصل. هذا النمط هو الوقود (المشغل) المعرفي للقلق المزمن.






